رواية : عنب وأصيل
دعونا نسميه حي (الطحانين ) ودعونا نعتبره كناية عن كل منطقة شعبية بسيطة في الوطن العربي ، من سوريا إلى المغرب
وفي البعيد من ذاك المكان ، هناك حي آخر لايشبه حي ( الطحانين ) يدعى حي (الشمّاس )فيه فيلات وشركات وأناس متوترين و جديين ،يلعبون الحياة فقط كي يفوزو ،يتحركون نحو أعمالهم المقدسة بسرعة
على عكس حي الطحانين وأصحابه ذوي الدخل المحدود ، اللذين لشدة طحن الحياة لهم أصبحوا مطحونين أكثر من حيهم نفسه !
لا فيلات ولا شركات ، بل بيوت عشوائية مكدسة بالقرب من بعضها فوق الجبل ، بأدراج حجرية من الأعلى نزولاً للشارع الرئيسي حيث ( وسط البلد )
وهنا الناس لا يستيقظون ،إلا عندما يريدون
فلا أسهم تجارة عالمية تنتظرهم ولا ( ميتينغس وديدلاين ) ليعكر صفائهم
إن معاركهم أشد ضرواة ، مثل معارك الديون والقروض ،والجمعيات والمساعدات ،وتصليحات البيت وانتهاء الراتب قبل أن يصل الجيب وضيق الحال ,والعراك مع الدائنين و مفتشي البلدية وناموس الصيف ،فلا عجلة لإستكمال مشاكل الليلة الفائتة
لكن مايعيد لحي الطحانين ابتسامته وبهجته ،هو عنب ! ومقهى عنب ،الذي يقع في وسط سوق الحي
وعندما تستيقظ عنب لتفتح المقهى ، حينها يقرر الحي ومن فيه الأستيقاظ
وعنب هو مجرد الأسم الحركي لإمرأة في الخامسة والعشرين بجسد ملفوف لف ،كعود البان
لا هو بنحيل هزيل ولا هو شديد الامتلاء ، مرسومة تلك الآنسة بعناية الألهة ، شديدة البياض ، كبيرة النهد ، ينسكب داخل فستانها سكباً ، ويظهر معظمه للخارج ، و يشتهي الناظر له تذوق الشامات الملونة التي تزينه
فستانها الضيق يظهر سرتها الناعمة وبطنها الصغيرة المهتزة من تحته ، كانت امرأة واضحة المفاتن ، تجعل عقل الرجال يهتز
عيون واسعة ورموش مابين الأشقر والبني كلون شعرها المجعد والغزير ،الذي يلطم فخذيها كلما سارت
تشغل أغاني فيروز حالما تنزل من منزلها الصغير في أعلى المقهى ، وتبدأ بشطف المكان ورشه بالماء قبل أن تنزل الكراسي عن الطاولات ، وتتصاعد رائحة القهوة في المكان ،وسرعانما يتحول الصباح المتأخر لعرض راقص لعنب وهي تحرك قدميها الملونتين بطلاء الأظافر الأحمر وخلخالها الشهير فوق الماء المسكوب على الأرض بين الطاولات الخشبية العتيقة
وعلى إثر ذلك الصوت يبدأ الجيران بفتح الستائر والشبابيك واختلاس النظر لفاتنة الحي
" صباح الخير يا عنّابة ! "
لترد الآنسة عليه من الأسفل بحماسة : يا صباح الورد عم أبا محمود ، أرسل محمود إلي لأعطيه رغيف تنور خبزته صباح هذا اليوم ،وعجنته بحبة البركة والسمن البلدي يستاهل فمك الذواق "
يرفع الرجل العجوز يداه للسماء ويهلل : الله عليكي يا عنّابة ، هل لديكي بعض العسل لأحلي الرغيف ؟
تضحك عنب بينما تسقي الجوري على طرف السياج وتقول : من أين لنا العسل في هذا الحي يا عمي ، في الطحانين كله لن تجد ملعقة عسل واحدة ، الناس بالكاد تتحلى بالمربى
أبو محمود يضحك على شرفته القريبة ويقول : مرري إصبعك الناعم عليه وسيتحلى رغيفي بما هو أحلى من العسل ، سأرش عليه السكر وأدعي لك
تضحك عنب دون أن تنزعج من مغازلته الرخيصة لإنها ببساطة تعرف نواياه الطيبة وترد: صحة وهناء يا عم أبو محمود
عدا ذلك كل من في المكان ...يعرف أن عنب، ليست من محبات الرجال
نساء الحي تغار منها لكن لا تكرهها ، إنها تجعل رجالهن يذوبون عشقاً ، لكنهم مهما اشتهوها لن يستطيعو قطفها
قد يتحدث الرجل منهم طوال اليوم عن عنب ورقصها وضحكتها وكرمها وقهوتها الشهية كنهديها ، وتسمع زوجته أنينه كاملاً ، لكنها لا تستشيط غضباً ،بل تتشمت به وبجنسه الفجع للنساء ،وترى من عنب المثلية انتقام الآلهة من الرجال
ولو أنها لم تكن كذلك ، لسرقت رجال الحي والمدينة والبلد بأكملها برمشة عين
وهي التي توسل لها وأغراها بالذهب والسيارات عشرات الرجال
لكنها لم تتزحزح عن ميولها إنشاً واحداً ، ولو أنها فعلت ....لغادرت هذا الحي الفقير وأصبحت في حي الشماس وما هو أرقى منه منذ زمن بعيد
إنها فقط مثل قاطني هذا الحي ، يأخذون الحياة ببساطة ،ويتركون رزق اليوم التالي على الله
أناس بسطاء يعيشون ليستمتعوا ويضحكو فقط
وبينما استيقظ حي الطحانين بسعادة ، استيقظ نقيضه حي الشماس على قنبلة نكد متوقعة
ال( مانيجر ) أصيل السيد ، المرأة الوحش الذي تجعل الرجال يبكون في دورات المياه ، مالكة شركة السيد بعد أبوها رعد السيد
نسخة طبق الأصل عن والدها الراحل ، لا تختلف عنه سوى بالشارب
امرأة حديدية فولاذية ،تشعر كما لو أنها خرجت من مصنع صلب سوفييتي
لا تضحك لا تبتسم لا تتغنج لا تتدلع ، منظرها حاد مثل الزاوية القائمة ، شعر أسود كثيف منسدل خط واحد لتحت كتفيها بقليل ، طول بحوالي المئة وثمانين ،وقوام نحيل لكن مشدود بسبب ممارسة الرياضة ، تظهر ذراعيها عريضة بعض الشيئ عندما تتحرك
بذلة سوداء أنيقة كل يوم ، مهما اختلف شكلها يبقى اللون واحد !
حياتها ،عمل....نادي الملاكمة ...منزل ، عمل ..نادي الملاكمة ...منزل
استقبلت موظفيها بالشركة بتوبيخ طاحن للخواطر ، فالعمل لديها خط أحمر مقدس ، دماغها لا يفهم التقصير أو التكاسل في العمل
وفي هذا الأسبوع فصلت ثمانية موظفين دفعة واحدة
واحد منهم أحب الانتقام ، فأخذ معلومات مهمة عن الشركة وجمعها على ذاكرة تخزين وهرب ، وهي وظفت كل ما لديها من رجال للحاق به لكنهم حتى الآن لم يجدوه
دخلت مكتبها ،ولحقتها السكرتيرة بكوب قهوة سوداء وحاد النكهة مثلها تماماً ،وضعته بهدوء على المكتب وخرجت على رؤوس أصابعها ،بينما مديرتها تصرخ على أحد مرؤوسيها وتوبخه
" يعني كيف أنه يختبئ في حي الطحانين ولا تجدونه؟" ،" أهو بحجم الإبرة ؟! " إنه بني آدم يا بني آدم ! "
_سيدتي آخر مرة تبعناه فيها كانت هنا ، وقد نشرنا رجالنا في كل المداخل ، لابد أنه يختبئ عند أحدهم
تنقر على الطاولة وتقول : أخبر كل من في الحي عنه ،وأن من سيبلغ عنه له مكافئة مالية كبيرة جداً ، أغر السكان بالنقود ، اليوم أريده في مكتبي ذلك الوغد
_ حاضر سيدتي
حل المساء على تلك البلاد بأكملها ، وترك المغيب خط أحمر جميل في الأفق خلف الجبل ، المدينة في الأسفل تبدأ بإنارة أضوائها وسرعانما يبدأ المنظر بالتلألؤ بمنظر بهي
وضع أبا محمود النرجيلة خاصته على الشرفة ،وصوت أم كلثوم يصدح من صالون منزله العتيق ، مستمعاً بمنظر المدينة أسفل الجبل
سريعاً اختلطت رائحة المعسل بالهواء ، ولا يمكنك سوى أن تسمع صوت الضحكات وقرقعة زهر لعبة الطاولة
" شيش يك "
"دوشيش "
" حشرتك في الزاوية !"
" لا والله لم أهزم بعد! ياحظي من عنب "
ثم ينادي ذلك الرجل الخمسيني على عنب التي تدور بفستانها الأحمر وتوزع الطلبات على الزبائن ،فتأتيه وهي تبتسم
ويقول لها : انفخ في كفي كي يتبارك الزهر
فتفعل ذلك ،ثم يرمي أبو يمان النرد على اللعبة ويأتيه الرقم المطلوب
يهلل أبا يمان فرحاً ،ويمتعض أبا فراس ويقول: ليس مرة أخرى! ،انظر ماذا فعلتي يا عنّابة !
لتضحك وتقول : ليت حظنا في الحياة مثل حظ أبا فراس في النرد
فيقول بينما يغلق الطاولة : كأسا شاي على حسابي لي ولأبي فراس الغالي ،حلوان النصر
أبو فراس : الله ! جاءت في وقتها
عنب : من عيوني الاثنتين
تدخل لتحضر كأسي الشاي ، وتطمأن على الشاب المختبئ أسفل المجلى في خزانة المنظفات
تنقر له بيدها وتقول له : اصعد واختبئ في غرفتي ، هاك المفتاح
ليرد : لن أفعل لا أريد توريطك أكثر
عنب : هناك رجال يرتدون بذلات سوداء يتجولون بكثرة
فيقول : علي الخروج من هنا قبل أن يجدوني
عنب : اهدأ ، سأشتتهم
تذهب عنب بكأسي الشاي للرجلين في الخارج ثم ....
مكبرات الصوت تفاجئ الجميع بموسيقى صاخبة
وعنب تبدأ الرقص بين الطاولات ، الزمن توقف وجميع الأنظار عليها
" عودك رنان رنة عودك إلي ، عيدا كمان ،بالله تعيد يا علي ...سمعني العود ،وعالعالي ،عيدا كمان "
الصدر والخصر والخلال والشعر ، ضحكتها ويديها وفستانها وعينيها ، كل مافيها يرقص ، كل مافيها حي ،كل مافيها يحييك
تجمهر الكل واحتشد ،واختنق مدخل المقهى بالناظرين ،فلم يعد ذوي البذلات السوداء يستطيعون مراقبة أو دخول المكان
الكل يهلل ويصفق لعنب ،التي أخذت تتمايل بكل أنوثة ودلال كنافورة مياه تنسكب من الأعلى نحو البركة
حينها أصيل كانت تنتظر مكالمة من أحد رجالها ،وتراقب المدينة من زجاج مكتبها العريض ،وكأنها لوحة فنية
حي الطحانين بدا من بعيد كبقعة ألوان في وسط الجبل ،بعيداً عن المدينة ،ينام بين البيوت العشوائية في الأعلى
بصوت حانق وقلة صبر صرخت في وجه الرجل المسكين الذي فتح المكالمة : أين هو ذلك اللعين ؟!!!
_ س،،سيدتي ! ،المكان هنا مكتظ بالناس ، تحول الأمر لحفل شعبي فجأة ،من المستحيل أن نعثر عليه وسط كل هذا الجمع الغفير
أصيل : لقد مر من الوقت مايكفي ليمرر المعلومات إلى الشاريين الأجانب ، كل الوقت الذي ضاع كفيل بجعله ينشر المعلومات للعرض على الانترنت ، أريده الآن ! ،....تعلم ؟! لا ترسل رجلاً ليقوم بعمل امرأة
سآتي للإمساك به بنفسي!
توقفت لتلتقط أنفاسها وجسدها المعجون بالبان الأبيض يفوح مسكاً ، رفعت شعرها كي ترتاح من حرارته بواسطة دبوس
والرجال من حولها تهلل بجنون
"يسعد دين هالخصر "
"يسعد دين هالمنظر "
رفعت يدها وقالت : كأس تمر هندي للجميع على حسابي
تعالت الهتافات ،ووقف رجال أصيل بعيداً يدخنون بملل ،خائفين من ردة فعل رئيستهم
ساعة من الزمن واقتحمت الأزقة الضيقة سيارة مرسيدس سوداء حديثة الطراز ، قطعت على أولاد الحي لعب الكرة
ووقفت النساء على الشرفات تتأمل السيارة الفارهة
ثم توقفت السيارة ونزلت منها امرأة طويلة حسناء بزي أسود
وأخذ الجميع يحدق بها وكأنهم يشاهدون فلماً
لتصرخ بشدة بهم : مابكم تحدقون بي بغباء هكذا ؟! أين المدعو تيسير عزار ؟
بقي الجميع صامتاً ، نظرت في وجوههم ،واحداً تلو الآخر ، الكبير والصغير والنساء والرجال وقالت بصوت أعلى: يبدو أنني لم أتكلم بلغتكم ، من يقول لي أين هو تيسير عزار ،له مني جائزة مالية بقيمة ألف دولار
وأنا لا أكذب، أنا المدير التنفيذي لشركة السيد ، والمال هو لغتي ولعبتي
ثم أخرجت عدة ورقات نقدية من فئة المئة ،ليبدأ الناس من حولها بإزدراد لعابهم
مشت إليها سيدة تبدو بحاجة لذلك المال في يد الآنسة الجميلة،ورغم أنها لم ترد الوشاية ،وخصوصاً لمحبة الجميع لعنب ولكنها لمّحت وقالت : أنا لا اعلم من هو هذا الرجل الذي تبحثين عنه ولا ما فعل ! ،لكن ...آل عزار غالباً يتجمعون في مقهى (قهوة وغنية ) الذي تملكه عنابة ، هل أدلك عليه ؟
أصيل: وأخيراً ، أحدٌ يفهم ما أريد ، نعم من فضلك
السيدة : هل سآخذ المال لو أرشدتك ؟
لتضع أصيل المال في كف السيدة وتقول : ولك ضعفه لو وجدت غريمي هناك !
تتسع عينا السيدة وتبتلع ريقها ،ويغريها المال أكثر وأكثر ، وتمشي مع أصيل للمقهى
،تتأمل أصيل وجوه المارة ويتأملونها أيضاً ،الجدران معظمها ملونة ومزينة برسومات كثيرة ، الجميع يجلس بالقرب من منازلهم ، على كراس القش ويتسامرون ،الأطفال يلعبون ألعاب شعبية ويركضون بعيدان البوظة الملونة
الجميع يضحك ،حتى الهواء نفسه يضحك ،وبين الحين والآخر يلقي المارة السلام على السيدة التي مع أصيل لأنهم ببساطة يعرفونها
وعندما وصلتا للمقهى ، كان الجميع قد عاد لمنزله ،وبقيت عنب ،متربعة على الأرض ،شقا فستانها يظهران فخديها الأبيضان ، يلمعان بشدة عكس فستانها الأحمر
يشتهي من يراهما أن ينظر لهما لنهاية الزمان ، كانت تتشارك آخر رغيف خبز خبزته مع القطط الضالة
تغمسه بصحن الحليب وتتشاركه معهم ، عندما لاحظتها أصيل خفق قلبها بشدة وفوج من الفراشات اجتاحها ،ضارباً خلاياها كموجة مد عاتية من الألوان والمفرقعات
عنب : خرموش لا تضرب أختك من أجل الطعام ، رباه الرجال!
ثم لمحتهما تتجهان نحوها ،وحالما وقعت عيناها على أصيل حتى تعالت الشهوة في دمها ،بل إن معالم وجهها توردت
نفضت يداها من فتات الخبز ونهضت وهي ما تزال تتأمل الحسناء الغريبة وتبتسم
كانت أصيل من النوع الذي تفضله عنب ،وآخر مرة مارست فيها الجنس كانت منذ سنتين ، قبل أن تتركها حبيبتها وتسافر مع زوجها الجديد إلى البرازيل
تركت تلك الحبيبة حبيبتها في سبيل النجاة من الفقر والحاجة في هذا البلد ذو الوضع الصعب ، لكنها حتى بعد أن تزوجت ،بقيت ترسل بعض المال والهدايا لعنب ،كطريقة للتكفير عن ذنوبها وإخلاصاً لحبها السابق
انكسر قلب عنب عدة مرات ،فتركت ما تبقى من قلبها في يد الله لعله يشفى ذات يوم ، لكن وجه أصيل كان أجمل حتى من وجه كل النساء اللواتي أعجبت بهن عنب من قبل
عندما سلمت السيدة التي اصطحبت أصيل على عنب ،عنب بدأت تتغزل بالضيفة الغريبة لكن بشكل غير مباشر : أهلا بهالطلة اهلا ،أهلا بهالعين الكحلا
لتلمزها السيدة بطرف عينها وتعض شفتها وكأنها تريد قول شيئ ،عنب تبدأ بتقليب عينيها بين الإمرأتين ، ثم تنطق السيدة : عنب ،هذه السيدة تبحث عن شخص من آل عزار
عنب : آل عزار ؟ خيراً إن شاء الله!
ثم تقول السيدة : أريد شرب بعض الماء ،دليني أين تضعين الماء في المطبخ ،تفضلا ،لا أريد ألا أظهر كرمي لهذا البدر المضيئ
ستمئة إشارة استفهام تظهر فوق رأس أصيل ، دماغها لا يعالج الغزل ولا يسمعه كثيراً ، وبالكاد استوعبت أنها المقصودة به
سحبت السيدة عنب بعيداً قليلاً وقالت : لقد وشيت بتيسير من أجل المال ، لو أن تيسير يختبئ عندك قولي له اذهب لمنزل جمانة ستخبؤك
عنب بينما تصب التمر الهندي : ذاك الجحش مختبئ في خزانة المنظفات ، سأفتح له الشباك ، لاقيه أنت من الباب الثاني
تهزان رأسيهما ، وتعود لأصيل بكأس تمر هندي بارد ،والتي كانت تتأمل المكان ،بعيني مستثمر
عنب : لم تقولي لي يا سيدتي ماذا تريدين من بيت عزار
أصيل بحزم بينما تضع يديها في جيبيها : هناك شخص يدعى تيسير عزار،كان موظف سابق وقد سرق شيئ مهم من الشركة
تمسك أصيل بالكأس لكنها لا تشرب ،بل تبدأ بالتحديق به ،بينما تجلس عنب على الكرسي وتضع ساق على أخرى ،وتخرج سيجارة من حمالاتها و ولاعة أيضاً
وبسبب طول أصيل ،كان بإمكانها رؤية نهدي عنب بوضوح ، بل إن الشامات عليه تضيئ أكثر من النجوم
عنب بكل برود وثقة : آل عزار أغبياء يعملون في سوق الخضار ، ولا واحد منهم أكمل الثانوية أصلاً ، ولو أن هناك أحد يدعى تيسير عزار ،فلابد له أن يكون مجرد حمار ،يعمل في العتالة أو البقالة ، أعرف غالبية بيت عزار ،لكنني لم أسمع قط بهذا الإسم
لكن أصيل أذكى من أن تخدع بمجرد كلام يخرج من شفتين ورديتين ، لإنها لمحت خزانة المطبخ مفتوحة وكذلك الشباك المفتوح في المطبخ ، و عندما غمزت جمانة لعنب وبدت تحاول قول شيئ
تترك أصيل الشابة ذات التسعة والعشرين عاماً ابتسامة سخرية على شفتيها ،وتجلس إلى الكرسي المقابل لعنب
تبتسم عنب هي أيضاً وتمد يدها وتضيف أصيل سيجارة لتقول الثانية بشيئ من الفظاظة : معي دخاني ،أنا لا أشرب من هذا النوع الرخيص
عنب تضحك وتقول : رخيص ؟! طيب يا ذات البذلة الأنيقة
أصيل : اسمعِ ،لربما امرأة مثلك لم تسمع في حياتها عن امرأة مثلي ، لكن في المكان الذي جئت منه ، الجميع يعرف أنني لا أخسر شيئاً أريده قط !
أنا صاحبة واحدة من أفضل الشركات في البلاد كلها ،وجميع من حولي يعرف أن لدي مايكفي من الثروة لشراء هذا الحي بمن فيه ، أنا اعلم أن ذلك النجس كان هنا ، لقد تغامزتي أنت وتلك المرأة التي دفعت لها بسخاء على شيئ ،وخزانة المطبخ مفتوحة بشكل مريب
لقد قمتي بتهريبه من النافذة ، ولابد لرجالي أن يجدوه عما قريب ، فالحي محاصر ،ومن الأفضل لك أن تخبريني أين هرب
عنب شبه منتبهة على كلام أصيل ، لإنها في الواقع بدأت تشتهيها وتتخيل أشياء بذيئة وسيناريوهات جنسية بحتة في عقلها ،بل إن جديتها ورزانتها تجعلها مثارة ،وتتدرس تفاصيل أصيل بعينيها من فوق إلى تحت ومن تحت إلى فوق
قد تبدو عنب صبية مليئة بالدلع أمام الرجال ، لكنها عندما تجد امرأة جميلة ،يظهر جانبها الفاسق وتتحول لقطة في موسم التزاوج
بدأت تتأوه وهي تنفث الدخان ،غير آبهة لتهديد أصيل بل تعض شفتيها وتقول : ماذا ستفعلين بي لو لم أخبرك بمكان تيسير ؟
أصيل *بنبرة تهديد *: أشياء لن تعجبكي
تخلع عنب حذائها وترفع ساقيها على الطاولة ، ليظهر طولهما كاملاً ، وقد كانت تضحك بعد أن سمعت التهديد ثم أجابت : لا أعتقد أن هناك شيئاً ستفعلينه بي ، لن يعجبني
أصيل : تسليمك للشرطة مثلاً لتسترك على مجرم هارب
عنب تتنهد وتقول بإمتعاض : لقد قتلتي متعتي ، ظننت أنك ستهدديني بأشياء أخرى ، آخر مرة جاء رجال الشرطة إلى هنا شربوا إلى أن وقعوا في مكانهم ، لايوجد رجل يستطيع الصمود أمام رقصي
ثم وبكل فظاظة وسوقية تسأل : كم نمرة قدمك ؟ هل هي أربعون ؟
تنهض أصيل بغضب وهي تقول : يبدو أنني أضيع وقتي في البقاء هنا ، من الآخر ....كم تريدين ؟
تتمايل عنب بينما تقف هي أيضاً لتعض شفتيها عندما لاحظت فرق الطول بينهما
وأصيل رغم جديتها لا تستطيع إبعاد نظرها عن نهدي عنب ، بل إن نظرها يسقط مباشرة في شق فستانها
عنب : ليس كم أريد ، بل ما أريد
أصيل: مالذي تريدينه ؟
عنب : جسدي يريد أن يرقص لك، أريد أن تشاهديني وأنا أرقص
تضحك أصيل وتقول : أنت حسناء غريبة الأطوار
تلمع عينا عنب من فرط السعادة : حسناء ؟ ترينني حسناء ؟
أصيل : حسناء ستقع في المشاكل لو لم تتوقف عن اللف والدوران وتخبرني أين تيسير
عنب : تيسير شاب لطيف كان يعمل عندي في المقهى ، أنا أثق بأنه شاب جيد ولا يؤذي أحد ، أريد أن أعرف مالذي سرقه أولاً
أصيل : صدقيني لن تستطيعي الدفاع عنه حتى لو حاولتي ،لقد سرق معلومات مهمة من شركتي تساوي ملايين الدولارات
عنب : ذلك الغبي ، ماذا لو أقنعته أن يعيد لك معلوماتك مقابل أن تعفي عنه ؟
أصيل : العفو أمر مستحيل ، لو عفوت عنه سيتجرأ من هو أحقر منه على التعالي عليي
عنب : تيسير مثل أخي الصغير ، لقد عمل لدي هنا ثلاث سنوات دون أن يسرق من الغلّة ولو فلساً واحداً ، هل قمتي بفعل شيئاً ما له ؟!
أصيل : تقارنين أرباح مقهاك الظريف هذا بشركتس العملاقة ؟ ثم إنني لم أفعل له شيئاً ، بل أرحته من العمل بأنني سرحته من خدمته
عنب تضع إصبعها في فمها : أهااا ، لقد طردتيه ؟!
أصيل : بل أعفيته من عمله وأعطيته مرتب ثلاث أشهر قادمة ريثما يجد عملاً آخر ،هو وكل الآخرين الذين مثله
عنب تضع يديها على خصرها : إذاً تقومين بقطع أرزاق الناس هكذا بالجملة !
أصيل : ليس قطع أرزاق ، هذا عمل، عملي أنا وشركتي أنا وجهدي أنا ، لا داع لأن يضيع مع من هم لا يستحقونه
عنب ترفع حاجباً وتقول : يال كثرة ال (أنا ) حضرة المديرة ، النرجسية تفوح من رائحة عطرك
أصيل : وأنت أيضاً يا عنب ، تفوح منك رائحة الشهوة وعدم الإتزان، لم أجلس معك لربع ساعة إلا وقد حاولتي إغرائي بكل أسلحتك ، أنت كأي امرأة في الأحياء الفقيرة "مُنحلة و ...."
عنب تنظر لها بعيونها المائلة للأخضر : و ماذا ؟!
أصيل : شبقة
عنب : على الأقل لست مكبوتة جنسياً
أصيل: لست مكبوتة جنسياً
عنب: اثبت لي ذلك
أصيل : ليس لدي الوقت لذلك
عنب : انا أتفاوض معك هنا ، تريدين تيسير ، عليكي أن تخبريني فيما إذا نجح إغرائي أم لا
أصيل : سيدة عنب هل أنت بايسكشوال ؟
عنب : سحاقية لو سمحتي ، هل أنت كذلك ؟
أصيل : هذا يفسر سلوكك التكاثري نحوي
عنب تضحك : تكاثري ؟ هل نحن في درس علوم ؟
أصيل : تريدين أن تنامي معي ؟
عنب : أريد أن أعرف أولاً ، فيما إذا نجح إغرائي أم لا
أصيل تراوغ وتقول : لا أدري ، لم أنتبه ، لست في مزاج يسمح لي برؤية شيئ غير هدفي
عنب تمشي وتذهب لتغلق باب المقهى وكذلك النوافذ وتقول بينما تتمايل بهدوء وتنظر لأصيل الواقفة في مكانها : تعلمين ؟ أريد كسر أنفك المتعالي هذا
لذلك ...ستشاهدينني أرقص ، لو لم تحبي رقصي ، أخبرك بمكان تيسير وتذهبين لسلخ جلده
وإن أعجبك وصفقتي بحرارة : ستعفين عن تيسير الأحمق وتعيدينه للعمل لديك وبراتب أعلى
تضحك أصيل وتقول : هذا لن يحدث
عنب تخلع فستانها أمام الصبية الأخرى وتقول بثقة : بل سيحدث
ثم تترك الفستان على الأرض وتذهب للأعلى وتشير لأصيل بإصبعها : ابق هنا
عشر دقائق وتعود عنب مرتدية بذلة رقص حمراء شفافة ومزينة بالأحجار اللامعة ، لتبدو ككرة ديسكو رومانسية مشتعلة
الأبيض الصافي في لون بشرتها والأحمر الناري في بذلتها ،تضادان يوضح أحدهما الآخر ،في لوحة فنية خلقها الرب في أجساد النساء ومناظرهن
ابتلعت أصيل ريقها بصعوبة ، جسد عنب مكشوف أكثر من ذي قبل ، وفي يدها زجاجة نبيذ ،تسكب منها كأسان وتناول أحدهما لأصيل وتقول : زجاجة النبيذ هذه هي الوحيدة التي امتلكها ،خبئتها للحظات المهمة في حياتي ، مثل توسيع المقهى أو افتتاح مخبزي الخاص ، لكن لا أعتقد أن هناك لحظة أهم من لحظتي الحالية مع سيدة مهمة للغاية
أصيل تتناول الكأس وهي تبتسم : آنسة لو سمحتي
عنب: وما اسم هذه الآنسة المتكبرة والمغرورة ؟
" أصيل " قالتها بثقة مفرطة
ثم تذهب للمسجلة وتقوم عنب بتشغيل الأغاني
سريعاً يتعالى صوت رامي عياش " يا مسهر عيني ، حبك على عيني "
وتدور عنب وتتمايكل ،كعنقود عنب في أحد باصات السكانيا القديمة
ويقع قلب أصيل في كأس النبيذ ،ويشتعل دمها بينما عينيها تلاحق جسد الحورية الحمراء التي أمامها
تردد عنب الكلمات ، وتحل أصيل أزرار قميصها ، المنطق ينحسر عن شاطئ الوعي ،وموجة حارة من لهيب اللحظة يجتاح كل شيئ
الشياطين سكارى والليل ماجن ،وكذلك خلخال عنب وشعرها الملون
الجيران حول المكان ،حاولوا استراق النظر ،لكن أبواب عدن موصدة ،وليس من عادة عنب أن ترقص وهي مغلقة أبواب جنتها
فشعر الجيران أن هناك شيئاً أعظم من الرقص ،يحدث في الداخل
مع انتهاء الأغنية ، تسارعت خطوات أصيل نحو عنب ، وأمسكتها من خصرها
كانت ما تزال تتنفس بصعوبة ،بفمها المفتوح وصدرها الذي يصعد ويهبط
جسدها اللامع المتعرق أصبح ملتصقاً بجسد أصيل التي تشد عليه بقوة
أصيل تمسك زجاجة النبيذ وتحاصر عنب بذراعها القوية ، تسكب في فمها معظم المشروب ،ثم تبصقه على جسد عنب
وتبدأ بلعقه من على جسدها الرخامي البياض ، تتضحك عنب بينما تتأوه وتقول : أرأيت ؟ قلت لك لن تتحملي إغوائي
الأرض أسفلها تصبح غير ثابتة، فأصيل تحملها بين ذراعيها وتنظر لها في عينيها وتقوى : لا تكوني واثقة من أنك ربحتي ، أنا متوحشة في الفراش ، قد تندمين على إغوائي
أين غرفتك ؟!
لتقول عنب بخجل بعد أن كانت واثقة وقوية: في الأعلى !
تصعد أصيل بها الدرجات بسرعة,وتركل الباب وترمي عنب المثارة على السرير
تخلع أصيل ثيابها بينما تراقب عنب بشغف ،ذلك الجسد المائل للسمار الجذاب ينكشف أمامها
ترتفع يديها لتلمس تلك المعدة المشدودة من كثرة التمارين ، مياهها تسيل بشدة ، بينما أصيل تتعشى شفتا عنب
يديها تعتصران نهدا عنب الكبيران ، ويدا عنب تعتصران ردفا أصيل المثاليان ،وتضغط بظرها على خاصتها أيضاً
لم تصرخ عنب أو تتأوه لسنتين كاملتين ، الليلة ، غالبية الجيران عرفوا أنها ليست بمفردها ،وأن هناك صبية محظوظة ما تحظى بها بمتعة
لدرجة أنها تجعل محبوبة الحي المنحلة تزقزق كالعصفور الدوري ، وقد يدفع أحدهم معاش تقاعده كاملاً أو الحوالة المالية التي وصلته من ابنه فقط كي يحصل على نظرة لما يحدث خلف تلك الجدران
ارت
مت أصيل بالقرب من عنب بعد أن أفرغا بعضيهما تماماً ، وابتسامة رضا تزين وجه الثانية
بينما نهضت الأولى لترتدي ثيابها وتقول بجفاء : أعطيتك ما تريدين ، الآن حان دورك
تتحول ابتسامة عنب لخيبة أمل ، وهي التي أعتقدت أنها أوقعت أصيل في حبها
وشعرت أن سيدة الأعمال التي تقف أمامها الآن ليست سوى نسخة أخرى عن حبيبتها السابقة
تكدر وجه محبوبة الحي وقالت : حسناً إذاً سأتصل بجمانة
يتبع.....
أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفحلوه اوي فين الباقي
حذف